الشيخ محمد عبد العظيم الزرقاني

355

مناهل العرفان في علوم القرآن

وكأن ذلك كان إرهاصا من اللّه وتمهيدا لمبعث النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وتقرير دين الإسلام ؛ وتسجيل الوحي المنزل عليه بالقرآن ، لأن الكتابة أدعى إلى حفظ التنزيل وضبطه ، وأبعد عن ضياعه ونسيانه . وكادت تتفق كلمة المؤرخين على أن قريشا في مكة لم تأخذ الخط إلا عن طريق حرب بن أمية بن عبد شمس . لكنهم اختلفوا فيمن أخذ عنه حرب . فرواية أبى عمرو الداني تذكر أنه تعلم الخط من عبد اللّه بن جدعان ، وفيها يقول زياد بن أنعم : « قلت لابن عباس : معاشر قريش هل كنتم تكتبون في الجاهلية بهذا الكتاب العربي تجمعون فيه ما اجتمع ، وتفرقون فيه ما افترق ، هجاء بالألف واللام والميم ، والشكل والقطع ، وما يكتب به اليوم ؟ قال ابن عباس نعم . قلت : فمن علمكم الكتابة ؟ قال حرب بن أمية ، قلت : فمن علم حرب بن أمية ؟ قال عبد اللّه بن جدعان ، قلت : فمن علم عبد اللّه بن جدعان ؟ قال : أهل الأنبار ، قلت : فمن علم أهل الأنبار ؟ قال طارئ طرأ عليهم من أهل اليمن من كندة ، قلت : فمن علم ذلك الطارئ ؟ قال الخلجان بن الموهم كان كاتب هود نبي اللّه عزّ وجل » . أما رواية الكلبي فتقص علينا أن حربا تعلم الكتابة من بشر بن عبد الملك ؛ وفيها يقول عوانة : « أول من كتب بخطنا هذا وهو الجزم ، مرامر بن مرة ، وأسلم ابن سدرة ، وكذا عامر بن جدره ، وهم من عرب طيئ تعلموه من كاتب الوحي لسيدنا هود عليه السلام ، ثم علموه أهل الأنبار ، ومنهم انتشرت الكتابة في العراق والحيرة وغيرهما . فتعلمها بشر بن عبد الملك أخو أكيدر بن عبد الملك صاحب دومة الجندل وكان له صحبة بحرب بن أمية لتجارته عندهم في بلاد العراق ، فتعلم حرب منه الكتابة ، ثم سافر معه بشر إلى مكة فتزوج الصهباء بنت حرب أخت أبي سفيان فتعلم منه جمع من أهل مكة » ا ه .